جلال الدين السيوطي

71

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

رجل ، فقال أحدهم للمشهود عليه : ألا نشهد عليك ؟ فقال : نعم . فشهد عليه الجماعة وامتنع ابن الأنباريّ ، وقال : إنّ الرجل منع أن يشهد عليه بقوله ( نعم ) لأنّ تقدير جوابه : لا تشهدوا عليّ ؛ لأنّ حكم ( نعم ) أن ترفع الاستفهام ، ولهذا قال ابن عباس في قوله تعالى : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ سورة الأعراف ، الآية 172 ] لو قالوا : نعم لكفروا ؛ لأنّ حكم نعم أن ترفع الاستفهام ، فلو قالوا : نعم لكان التقدير : نعم لست بربّنا ، وهذا كفر ، وإنّما دلّ على إيمانهم قولهم : بلى ، لأنّ معناها يدلّ على رفع النفي ، فكأنّهم قالوا : أنت ربّنا ، لأنّ أنت بمنزلة التاء في ألست . وقال ياقوت : حدّثنا أبو الفرج بن الجوزيّ في تاريخه بإسناده « 1 » ، قال : قال أبو بكر عبد الله بن علي بن عيسى : لما مرض أبو بكر بن الأنباريّ عرضت قارورته على الطبيب ، فقال : هذا يدلّ على إتعابك جسمك وتكلّفك أمرا عظيما لا تطيقه . فقال : قد كنت أفعل ذلك . فسأل : ما الذي كنت تفعله ؟ قال : كنت أدرس في كلّ جمعة عشرة آلاف ورقة من العلم . وقال أبو الحسن العروضيّ : اجتمعت أنا وأبو بكر بن الأنباريّ عند الراضي بالله على الطعام ، وكان الطبّاخ قد عرف ما يأكل ، فكان يطبخ له قليّة يابسة ، فأكلنا نحن من ألوان الطعام وأطيابه ، وهو يعالج تلك القليّة ، ثم فرغنا ، وأوتينا بحلواء فلم يأكل منها ، وقمنا إلى الخيش فنام بين يدي الخيش ، ونمنا نحن في خيش ، ولم يشرب ماء إلى العصر ، فلما كان العصر ، قال لغلام : الوظيفة ، فجاءه بماء من الجبّ ، وترك الماء المزمّل بالثلج ، فغاظني أمره ، فصحت ، فأمر الراضي بإحضاري ، وقال : ما قصّتك ؟ فأخبرته ، وقلت : هذا يا أمير المؤمنين يحتاج أن يحال بينه وبين تدبير نفسه ؛ لأنه يقتلها ولا يحسن عشرتها . فضحك ، وقال : يا أبا بكر لم تفعل هذا ؟ قال : أبقي على حفظي . قلت له : قد أكثر الناس في حفظك ، فكم تحفظ ؟ قال : ثلاثة عشر صندوقا . قال : وسألته يوما جارية للراضي عن شيء من تعبير الرؤيا ، فقال : أنا حاقن . ثم

--> ( 1 ) المنتظم : 13 / 397 - 402 .